النووي
759
تهذيب الأسماء واللغات
في « صحيحيهما » ، معناه : الشيء الذي يعطاه الكاهن على كهانته ، والكاهن هو الذي يقضي على الغائب بالنجم بالتخمين ، قاله الواحدي في « الوسيط » . قال الإمام أبو منصور الأزهري رحمه اللّه تعالى في « تهذيب اللغة » : قال الليث : كهن الرجل يكهن كهانة ، وقلّما كان يقال إلّا : تكهّن الرجل ، وتقول : ما كان فلان كاهنا ، ولقد كهن ، قال الأزهري : وكانت الكهانة في العرب قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما بعث نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم وحرست السماء بالشّهب ، ومنعت الجنّ والشياطين من استراق السمع وإلقائه إلى الكهنة ، بطل علم الكهانة ، وأزهق اللّه تعالى أباطيل الكهّان بالقرآن الذي به فرق اللّه عزّ وجل بين الحق والباطل ، وأطلع اللّه تعالى نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بالوحي على ما يشاء من علم الغيوب التي عجزت الكهنة عن الإحاطة به ، فلا كهانة اليوم بحمد اللّه تعالى ومنّه وإغنائه بالتنزيل عنها . وقال الإمام أبو سليمان الخطابي في معنى هذا الحديث : حلوان الكاهن : هو ما يأخذه المتكهن على كهانته ، وهو محرّم ، وفعله باطل ، وحلوان العرّاف حرام كذلك ، قال : والفرق بين الكاهن والعرّاف ، أن الكاهن إنما يتعاطى الخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار ، والعرّاف : هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما من الأمور . هكذا ذكره في كتاب البيوع من « معالم السنن » . وذكر في آخر الكتاب في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من أتى كاهنا فصدّقه بما يقول ، فقد برئ مما أنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلم » « 1 » قال : الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن ، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور ، فمنهم من كان يزعم أن له رئيّا من الجن وتابعا يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يدّعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه ، وكان منهم من يسمى عرّافا : وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها ، كشيء سرق فيعرف المظنون به السرقة ، وتتّهم المرأة بالريبة فيعرف صاحبها ، ونحو ذلك من الأمور ، ومنهم من كان يسمي المنجّم كاهنا ، فالحديث يشمل النهي عن إتيان هؤلاء كلهم ، والرجوع إلى قولهم وتصديقهم على ما يدّعون من هذه الأمور ، ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهنا ، وربما دعوه أيضا عرّافا ، فهذا غير داخل في جملة النهي ، وإنما هو مغالطة في الأسماء ، وقد أثبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الطب وأباح العلاج والتداوي . هذا ما ذكره الخطابي رحمه اللّه تعالى . وقال أبو محمد البغوي صاحب « التهذيب » في كتابه « شرح السنة » في أول كتاب البيوع في باب بيع الكلب : اتفق أهل العلم على تحريم مهر البغيّ وحلوان الكاهن ، قال : وحلوان الكاهن : ما يأخذه المتكهّن على كهانته ، وفعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه . وقال الماوردي صاحب « الحاوي » في آخر كتابه « الأحكام السلطانية » : ويمنع المحتسب من التكسّب بالكهانة واللّهو ويؤدّب عليه الآخذ والمعطي . كيس : قال صاحب « المحكم » : الكيس : الخفّة والتوقّد ، كأس كيسا ، فهو كيس وكيّس ، والجمع أكياس ، قال سيبويه : كسّروا كيّسا على أفعال تشبيها بفاعل ، ويدلّك على أنه فيعل أنهم قد سلّموه ، فلو كان فعلا لم يسلّموه ، والأنثى كيّسة
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 408 ، وأبو داود ( 3904 ) ، وابن ماجة ( 639 ) ، والترمذي ( 135 ) ، وهو حديث محتمل للتحسين .